الكاتبة والنحاتة السورية
سوزان العبود
من خرس الطين إلى صخب
اللغة.. مشروع روائي في الافق
لطالما سعت إلى نحتت ابتسامة الوطن
المشعة دوما في دخيلتها على الطين والحجر وبها فجرت أسارير الأفق في صمم الوجود، ها
هي ذي اليوم سوزان العبود تستعد للنحت مجددا، لكن هاته المرة على جسد اللغة لتجلي
الآلام الكامنة تحت ركام الاتربة ورديمها لارواح حية وميتة معا، هذا ما باحت به
مؤخرا، مشروع عمل روائي تستعد لإتمامه في ظل عجز التماثيل بأعناقها السامقة وأبواقها
الخرسة عن ايصال نواح البراءة الموءودة في السورية للخارج.
الولادة
الفنية
تذكر ابنة حمص المقيمة حاليا ببرلين
أنها كانت ترسم احلام الطفولة المندمجة مع يقظة الواقع في مخيالها الفني البريء
بعد أن بعدت عن أرض المولد إلى ارض النسب والانتساب، بسوريا الحضارة، رسمت وهي
ضغيرة على الورق قبل أن تتنازعها الرغبة في حفر الصخر ورسم الخيال على جلموده وإلباس
حلة الوجود وملامحه الاشكالية على الصغر حينا وإعادة تخليقه على الطين في أحايين
أخر.
ثمة إقرار ذاتي ومسبق من أن أعمال سوزان
مستوحاة في البدء من مساءلاتها الفلسفية للوجد وحول الوجود، المبهمات التي خطت عبر
التاريخ سرديات الجدل الوجودي، وهذا حتى يراها المتلقي للمنتج التمثيلي والتمثالي
متجلية في أبهى ما يمكن أن تتجلى الفلسفة على المعدن المادي حجر كان ام من طين،
تقول بهذا الخصوص سوزان "التعبير الفني رسالي يفرض تأويلية للإنوجاد والأيلولة،
ومساراتهما الاشكالية وهذا ما يجعله مستقرا أحينا في باطن اشيائه المضمرة جماليا
ورساليا في حوزة النخب العارفة بالفن والمتفننة بالمعرفة"
لكن يظل فضاء التأويل في الحقل التعبيري
الإيحائي الابداعي الضمان الدائم لانطراح فن النحت كغيره من فنون التشكيل الأخرى
وانبساطه على مستويات عدة من التلقي "خاصية التأويل بوصفها نتاج الذوق وفي
ذات الوقت هدفه، تعطي للفنون التشكيلية والنحت متسع من الانبساط في حوزة التلقي،
فليست لمحة المتلقي أقل شراكة للمسة المبدع، حيث أن القراءة المتلقية الباطنية تعد إعادة انتاج داخلي للإبداع مما يعني أن ما
قد يقع في لاوعي المبدع قد يوجد لذا وعي المتلقي، يشعرني هكذا وضع بأريحية وأنا
اشكل مخيالي سواء في النحت أو في الرسم.
العودة
إلى الكتابة
تؤكد سوزان العبود أنها ذات سوابق
ابداعية في عالم السرد! حيث طرزت في بواكير سنوات الطفولة بياض دفاترها بأكاليل من
زهور الكتابة في شتى تلاوينها من خاطرة، وقصة وقصوصة، وحكت خيالا أبيضا عن واقع لم
تكن تدري منه سوى مشاهد الصمت وجمود المعنى، كتبت في القصة القصيرة حتى قبل أن تقرأها
من الآخرين، في استلهام فطري بل فطروي انبجس من اعماقها الابداعية الصغيرة، هذا ما
نستشفه في نص البحر إذ تظهر اللغة فيه وفي حالة ارتعاد جرسي بزوايا الحكي وذلك ودي
العاطفة المناجية للطبيعة في صخبها وصمتها " منك ايها.. البحر استمد حزني, ومن نار امواجك يلتهب قلبي
بوجد ضائع فاليك عني…اليك عني..ايها البحر... انت الحبيب الثائر, و بصخب امواجك
اسمع صدى ازاميل تنحت الصخر لتجعله يصرخ بحب ابدي.. ...اهي ضربات قاسيه؟ " حدث ذلك كله قبل أن تعلق سوزان القلم في زاوية من حقائب الذاكرة الابداعية إلى
حين "كنت أكتب ما يختلج في اعماقي من دون خجل واستمتع لوحدي بما أكتب، أي كنت
متلقية لذاتي في محاورات فنية داخلية اكتفي من خلالها بإعادة تشكيل الواقع بالحروف
قبل أن تندلع في ثورة الرسم والنحت بالقوة الزلزالية القصوى التي أعادت تركيب أرضية
اهتماماتي الفنية فانزلقت بكلي إلى قاع النحت ثم تدرجت إلى هوة الرسم متخلية إلى
حين عن القص والكاتبة القصصية"
لكن هذا لم يحل دونما بقاء سوزان العبود
مستمسكة بعروة الكتابة والحكي "لم ينقطع ابدا حل الود بيني وبين السرد، إذ لم
أقو يوما على مفارقة الرسوم اللغوية لعوالم الحكي الكبيرة لكل من ارنست هيمنغواي،
عبد الرحمن منيف هذا الأخير الذي اجده بحق فليسوف الرواية بالمعنى التاريخي للفلسفة
الروائية، يسحرني كثيرا بأسلوبه وتلميحاته النصية التي تتجاوز الكثير من العقبات
والمطبات الزمكانية، عادة ما أشعر وأنا أقرا للعمالقة، بموج العبقرية الفنية في
النحت والتشكيل يعلو في منظاري، وألجأ لمداعبته في لحظة مماتعة ابداعية جنونية
"
تبعا للعلاقة الطفولية مع القلم والتي
نشأت على هامش العلاقة الجادة مع النحت والرسم والتشكيل، لا ترى سوزان العبود
نفسها غريبة عن حقل المعنى الفني للكلمة والإبداع القصصي، من هنا تطرق حاليا باب
ملامسة الواقع سرديا من خلال مشروع رواية تشتغل عليها الآن لم تشأ الافصاح عنه عسى
أن يظل في معقمه الصحي بعيدا أن تشويشات وتشويهات الواقع "أرغب في أن أتم
النصف الفارغ من كوب الموهبة الفنية التي تتنهشني من الداخل وأنا أسعى خلف وهم
الكمال التعبيري، وهذا من خلال البوح باللغة عما عجزت عنه عبر النحت والتشكيل
والرسم، أو لنقل أن جنين الكتابة استيقظ في داخلي مجددا وهو يوما بعد يوما ينازعني
حق الخروج ومشروعية رؤية النور"
لسزان العبود رؤية خاصة حول التعاطي مع
التجربة الذاتية في مساقات الابداع الفني "ليست التجربة هدف الكاتب في حد
ذاتها بحسب ما خبرته من ممارستي المتواضعة لها أو مما اطلعت عليه من تجربة
الآخرين، بل مساءلة الواقع المشترك بكل تفاعلاته
وانفعالات نشطائه هي التي تلمز حامل القلم
فتوخزه في إيعاز خفي سحري ليبوح بالعوالم التي تتمخض وتتضارب في قيعان أخيلته،
هذا ما أعيشه لأنني وكما ذكرت أحسبني من حملة قلم الألم وسأسخره لحمل الأمل الذي
تلاشت صوره وتقاسيمه بفعل تغول الخوف والموت في مسرحنا الانساني والوطني بسوريا
الحبيبة على وجه أخص"
فطرية حب
الوطن وطفيلية السياسة!
لا تفتأ سوزان تذكر في منفاها القسري
بألمانيا أنها " وطنية ولست سياسية، فالأوطان يلود حبها فطري في نفوسنا من
يوم أن نعي المكان ونتذوق في الشارع ملح ترابه، والسياسة تخترقنا كالأشعة المنصرمة
عن فضاءات الحماية الفطرية، لتضربنا في الذاكرة فتحدث فينا ما تحدثه من نسيان
للوحدة والألفة والشراكة، أنا أحمل وطني الفطري في دخيلتي، وجيوبي خاوية من مشاهي
وملذات السياسة، لذا دائما ما أجدني أنوح بأصوات الأبرياء والعجزة وأطالب السوريين
بأن يستعيدوا حقهم من الانسانية الذي اضاعوه وضاعوا بسببه، فلا انسانية اليوم خارج
الشعور بالذات والحق في مساحة آمنة تحت الشمس، لأن المصلحة والمصالح لوثت الوجود
الانساني المشترك حين قضت هاته المصالح التدافعية بأن تكون شرعية القوة بديلة
لشعرية الأنسانية، فهلا فهم السوريون هذا وكفوا انفسهم عن أنفسهم وتواطؤا على
العيش مجدد في سلام بوطن أرضه كانت حضنا أبديا للإنسانية ومهدا لحضارتها"
بشير عمري
كاتب صحافي جزائري

إرسال تعليق Blogger Facebook