مثَّلَ التلاقُح الثقافي بين العرب والأمم
الأخرى، مدخلا هامًّا لفهم الآخر، وبوابة كبرى للتواصل، وخير ما تمثَّل ذلك في الحقبة العبَّاسية، يوم فُتحت أبواب
بغداد لمختلف الأجناس والثقافات التي انصهرت في بوتقة حضارةٍ واحدةٍ، كان لها بصمتها على الإنسانية جمعاء، كما
كان لهذه الحضارة انعكاسها الكبير على الأندلس الإسلامية أوَّلا ومن بعدها أوروبا
الحديثة التي ظهرت عقب الثورة الصناعية، يوم تمكَّنت من استعمال مصادر قوَّة
الحضارة الإسلامية لتبني هي حضارتها.
ومن بين ما نُقل لنا، بعد أن ازدهرت الحضارة
الغربية وانتكست الحضارة العربية والإسلامية، الآداب بكل أنواعها ومن بينها قصص
الأطفال المترجمة إلى اللُّغة العربية.
ولكنَّ الصدمة الأولى التي قابلتنا كانت في
منظومة القيم والأخلاق التي بيننا وبين الآخر الغربي، فلقد تُرجمت إلى أطفالنا قصص
تمجِّد من قيمة العنف وتعلي من شأنه، بل الأدهى من ذلك أنَّ بعضا من تلك القصص
المترجمة جعلت من موت الآخر سبيلا للانتصار ووسيلة للبهجة، في حين عمدت قصص أخرى
إلى ازدراء الآخر المختلف، سواء باللون أو العرق أو الدّين.
ثم جاءت موجة أخرى من الترجمات، تحولَّت في
أغلبها إلى مسلسلات كارتونية للأطفال، وهي تستند في رؤيتها إلى عدَّة منظومات مثل
منظومة القيم الشيوعية، وخاصَّة تلك التي نُقلت لنا من اللُّغة الروسية، فكان
للمطر شخص يختصُّ بنزوله وقتما يشاء، وآخر مختصٌّ بشأن الريح وثالث مختصٌّ بشأن
الثلج وهكذا...
إنَّ مسألة القيم المختلفة هذه، اِضطرت
المترجمين في كثير من الأحيان إلى ممارسة نوع من الرقابة الذاتية على ما يترجمون،
ما أفقد القصص العديد من القيم الجمالية بعد إعادة صياغتها لتتلاءم مع واقعنا
العربي والإسلامي.
وإذا كان المثل الإيطالي يصف المترجم
بالخائن؛ فإنَّه مارس دورا أكثر خيانة في ترجمة قصص الأطفال من اللُّغات غير
العربية إلى العربية، وأوقع نفسه في إشكالية الازدواجية بين ما يريد هو أن يبثَّه
بين الأطفال العرب والمسلمين وبين ما ينقله من قيم من ثقافات أخرى.
فضاعت الكثير من التفاصيل الفنِّية بعد
الترجمات المتصرِّفة من قبل المترجمين العرب والمتكيِّفة مع واقعهم. صحيح كان ذلك
خدمة للهدف الأسمى وهو ترسيخ قيم تتناسب مع واقعنا العربي، إلا أنَّه في الوقت
ذاته أفقد النقَّاد والمتابعين للأدب الغربي المهتمِّ بأدب الطفل العديد من القيم
الفنِّية والجمالية.
وكان يعوز مترجمنا العربي حِرفية أكثر في
النقل من أجل عدم إفقاد النص خاصِّيته الفنِّية، وللأسف فإنَّ أغلب من مارس
الترجمة إلى العربية في حقل قصص الأطفال كانوا من غير ذي الاختصاص والإلمام بعالم
الطفل العربي؛ بعضهم مارس الترجمة بوعي المترجم الذي يريد أن يرسِّخ قيمة مجتمعية
عربية، فتجاوز على النص وحرَّف فيه، وبعضهم الآخر سعى إلى تكييف النص وفقا لما
يراه ويعتقده، فنقل لنا قصصا لا تمتُّ لعالمها وواقعها الذي كتبت فيه، وبالتالي لا
يمكن بأيِّ حال من الأحوال الاطمئنان إلى أنَّنا كنَّا على اِطلاع بقصص الأطفال
لدى الآخر.
ولعلَّ ما تُرجم من القصص والحكايات العالمية
التي كانت الأكثر اِنتشارا والأقرب إلى قيمنا، والأكثر محافظة على روح النص
الأصلي، تلك التي تُرجمت عن قصص عرفتها الشعوب في مراحلهم البدائية، ومعروف أنَّ هذه
الشعوب كانت تتشابه إلى حد كبير في قيمها قبل أن تتفرَّق وتبدأ بتشكيل ثقافاتها
الخاصَّة.
نحن إذن أمام إشكالية مزدوجة بين قيم ثقافية
مختلفة تضطر إلى ترجمة غير مهنية، وأخرى تتمثَّل بترجمة مهنية على حساب قيمنا
وثقافتنا العربية والإسلامية.
إنَّالأطفال فئة عريضة في مجتمعنا العربي وهم على قدر كبير
من الحساسية لكل تجربة ثقافية في حياتهم سواء أكانت قراءة قصة أم قصيدة أو مشاهدة
فيلم أو مسرحية. وبسبب تلك الحساسية يتطلَّب ذلك حرصا خاصًّا من أيِّ كاتب أو
مترجم مهتمّ بالكتابة للأطفال. فهو بحاجة إلى معرفة حاجات الطفل واجتذابه من
خلالها إلى ما نكتب بأسلوب يتماشى مع تلك الحاجات ويراعي مستوى النضج اللُّغوي
والفكري لدى الأطفال. وعلى ذلك فإنَّ أصعب ألوان الكتابة على الإطلاق هي الكتابة
للأطفال. ولايعني ذلك أن نجعل الكتابة للأطفال بقليل من الاكتراث بل على العكس من
ذلك، إذ تتطلَّب الكتابة للطفل مهارات إضافية لا يحتاجها الكاتب الذي يكتب للكبار.
مانودُّتوضيحه من
خلال هذا المقال؛ هو تحليل الأخطاء النَّاجمة عن الترجمةِ الحرفية للعناصر
الثقافية التي لا تتناسب إطلاقًا مع ثقافة الطِّفل العربي. وأنَّه، يتوجَّب على مُترجم
أدب الأطفال أكثر من ذاك الذي يكتب أو يُترجم للراشدين تحليل الوضع الخارج عن
النص، الثقافة التي سينتج النَّصُ فيها، وخصوصيات هذه الثقافة، والأعراف والتقاليد
والعادات الشعبية. أي اِقتراح لباس يندمج اِجتماعيا في لغة وثقافة المتلقِّي. هذا كلُّه
مع البقاء على الوفاء للنَّص الأصلي.
والسؤال الذي يطرح
نفسه بقوَّةٍ في الأخير هو هل بإمكان أيِّ مترجم أن يقوم بالترجمة للأطفال حتَّى
وإن لم يكن كاتبًا متخصِّصا في هذا الأدب، أم عليه أن يكون كاتب أطفال يُتقن لغة
الهدف ولغة الوصول دون الإحاطة بشيء من عِلْم وفنِّ الترجمة؟
الجواب هو لا
بالطَّبع، لأنَّه في كلتا الحالتين لن يتِّم تقديم ترجمة جيِّدة للطفل، فلا تكفي
معرفة الكلمات لترجمة نصٍّ ما وللحكم على ترجمة ما، إنَّما يجب معرفة الأشياء التي
يتحدَّث عنها النَّص. ومنه لا بُدَّ من وجود مترجم يمارس الكتابة للأطفال أو كاتب
للأطفال متمرِّس في الترجمة. فغالبًا ما نجد الاختصاصي المتمكِّن ولا نجد اللُّغوي
المتمكِّن، فلابُدَّ من أن تجتمع في الشخص اللُّغة والتخصُّص لكي يُنتج نصًّا
جيِّداً، وهذا غير متوفِّر دائماً.
إنَّ الكتابة وإعادة الكتابة للأطفال فنٌّ وتجارب عديدة،
لأنَّ الكاتب الناجح هو من يستطيع النظر إلى العالم الذي يحيط به من خلال عيون
الأطفال فيصوِّر الأشياء كما يرونها هم، لا كما يراها هو.
وصفوة القول،
تتمثَّل الصعوبة الرئيسيَّة في الكتابة والترجمة للأطفال في مقدرة الأديب على فهم
عالم الطِّفل من عدمها. فقد يصعب عليه أحيانًا –أو غالبًا- نسيان عالمه، عالم
الراشدين.
سمير بوشاقور الرحماني

إرسال تعليق Blogger Facebook